عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
291
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
أخرى فيفعل بها فعل الأولى ، حتى ينال الكفاية ، لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية « 1 » » لقد أبى على المهلبي تعقيده الحضاري أن يأكل من لونين بملعقة واحدة . فيضطر إلى استخدام معالق كثيرة مختلفة . كذلك أصاب هذا التعقيد أدب هذا القرن لأن أدب القوم هو انعكاس وتصوير لحياتهم . فنجد الحريري في مقاماته يعقد أسلوب الكتابة وكان الهمذاني « 2 » قبله قد لجأ إلى التنميق والتذويق وكثرة السجع والتجنيس وغيره من المحسنات البديعية في مقاماته العديدة وقد رأيناه في مقامته البغدادية لا يصور فقط الاتجاه الذي نحاه الأدب العربي في التكلف وانما يصور أيضا مجتمعه أدق تصوير ولا سيما في مآكل القوم وعاداتهم » . لقد كانت المطاعم منتشرة في أسواق بغداد ، وطعام السوق مفضل عما في البيوت من طعام ، ولا شك أن كثيرا من أهل المدينة يفضلونه لقرب السوق من أماكن عملهم فيوفر عليهم عناء الانتقال في المدينة المزدحمة ، وكل من كان ينحدر من سواد بغداد إلى المدينة العامرة يمني نفسه بلذيذ المطعم على مائدة قد أعدت لاستقباله ، وليس الا أن يأمر فتتسارع الطلبات تترى في خدمته . كما هو الحال في مطاعمنا المنتشرة في أسواق المدن الكبيرة . لنستمع إلى أبي الفتح الإسكندري وهو يدعو ضيفه « هلم إلى البيت نصب غداء أو إلى السوق نشتر سواء . والسوق أقرب ، وطعامه أطيب » ان السوادي سيحقق حلمه لذلك « استفزته حمة القرم ، وعطفته عاطفة اللقم « 3 » » وطمع بهذا الغداء اللذيذ . لقد كانت أطعمة بغداد منوعة منها ما يشوي على النار من اللحم . ومنها ما يصنع بطريقة فنية من الحلواء . وهاك وصفا لعمل الشّواء وانهماكه في صنعته : « فانحنى الشّواء بساطوره ، على زبدة تنوره ، فجعلها كالكحل سحقا ، وكالطّحن دقا » . وقد أتقن الشواء صناعته فاستوفى شواؤه النضج والجودة لذلك اختاره أبو الفتح دون غيره من الشّوائين : « ثم أتينا بشواء يتقاطر شواؤه عرقا ، وتتسايل جوذاباته مرقا « 4 » » . ولقد
--> ( 1 ) معجم الأدباء : ج 13 - ص 103 . ( 2 ) هو أبو الفضل أحمد بن الحسين ، أصله من همذان وإليها نسب . وقد تركها إلى الصاحب بن عباد فتزود من ثماره وحسن آثاره ثم قصد نيسابور وأملى فيها أربعمائة مقامة نحلها أبو الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها . وألقى عصاه في هراة وهناك فارق دنياه سنة 398 ه . ( 3 ) القرم : الشهوة إلى أكل اللحم خاصة ، وحمة القرم ، اشتداد الشهوة إلى أكل اللحم - واللقم : الأكل السريع . ( 4 ) الجوذابات : والجواذب بالضم طعام يتخذ من سكر ورز ولحم ( القاموس المحيط : ج 1 - ص 45 ) .